فخر الدين الرازي

114

تفسير الرازي

صعيدا طيبا ) * أي اقصدوا أرضا ، فوجب أن يكون هذا القدر كافيا . وأما الشافعي فإنه احتج بوجهين الأول : أن هذه الآية ههنا مطلقة ، ولكنها في سورة المائدة مقيدة ، وهي قوله سبحانه : * ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) * وكلمة " من " للتبعيض ، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه . فان قيل : إن كلمة " من " لابتداء الغاية ، قال صاحب " الكشاف " : لا يفهم أحد من العرب من قول القائل : مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب : إلا معنى التبعيض ، ثم قال : والاذعان للحق أحق من المراء . الثاني : ما ذكره الواحدي رحمه الله ، وهو أنه تعالى أوجب في هذه الآية كون الصعيد طيبا ، والأرض الطيبة هي التي تنبت بدليل قوله : * ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ) * ( الأعراف : 58 ) فوجب في التي لا تنبت أن لا تكون طيبة ، فكان قوله : * ( فتيمموا صعيدا طيبا ) * أمرا بالتيمم بالتراب فقط ، وظاهر الأمر للوجوب . أن قوله : * ( صعيدا طيبا ) * أمر بايقاع التيمم بالصعيد الطيب ، والصعيد الطيب هو الأرض التي لا سبخة فيها ، ولا شك أن التيمم بهذا التراب جائز بالاجماع ، فوجب حمل الصعيد الطيب عليه رعاية لقاعدة الاحتياط ، لا سيما وقد خصص النبي عليه الصلاة والسلام التراب بهذه الصفة ، فقال : " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا " وقال : " التراب طهور المسلم إذا لم يجد الماء " . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) * محمول عند كثير من المفسرين على الوجه واليدين إلى الكوعين ، وعند أكثر الفقهاء يجب مسح اليدين إلى المرفقين ، وحجتهم أن اسم اليد يتناول جملة هذا العضو إلى الإبطين ، إلا أنا أخرجنا المرفقين منه بدلالة الاجماع ، فبقي اللفظ متناولا للباقي . ثم ختم تعالى الآية بقوله : * ( إن الله كان عفوا غفورا ) * وهو كناية عن الترخيص ، والتيسير ، لأن من كان من عادته أنه يعفور عن المذنبين ، فبأن يرخص للعاجزين كان أولى . قوله تعالى * ( واللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً ) * .